نظرية الألعاب والوطن العربي
فاز أستاذان كبيران في السن بجائزة نوبل للاقتصاد لهذا العام وهما أستاذ متقاعد من جامعة ماري لاند اسمه «توماس سي شيلنغ»، والثاني أميركي يدرّس في الجامعة العبرية ويحمل كذلك الجنسية الاسرائيلية واسمه روبرت أي أومان.
وبينما كان تخصص الأول في علم الاقتصاد، فإن الثاني عالم رياضيات. وهذه ليست المرة الأولى التي يفوز متخصص في علم الرياضيات بجائزة نوبل في الاقتصاد، ففي عام 1994 فاز جون ناش بهذه الجائزة، وفي التخصص نفسه تقريباً، وهو «نظرية الألعاب» Game Theory.ونظرية الألعاب تؤثر في حياتنا كل يوم.
فمنذ أن نترك منازلنا صباحاً، وحتى نعود الى منازلنا ثانية في آخر النهار، نقوم بأعمال كثيرة تنطوي على المساومة والمفاوضة والتفكير والتقدير وتخمين قوة الطرف الآخر.
ولذلك، فإن تحويل هذه الممارسات الصغيرة اليومية على مستوى الفرد، والكبيرة على المستوى المؤسسي والدولي، الى نظرية متكاملة يمكننا من قياس ممارساتنا ونتائجها على أنفسنا وعلى غيرنا ويصبح أمراً مفيداً وفاعلاً.
واذا دخلت الى بازار سواء في بيروت أو دمشق أو القاهرة أو اسطنبول، فإنك تتذكر النصيحة التي يعطيك إياها من سبقوك الى هذه الاماكن، وهي أن تساوم على الأسعار، ولا تقبل بأيّ سعر يعرض عليك، بل احسم نصفه أو أكثر.
ومنذ وقوفك في سوق «الحميدية» في دمشق على سبيل المثال أمام أحد المحلات، تبدأ المساومة وتبدأ اللعبة بينك وبين البائع.فهو ينظر اليك ليرى من لغة جسدك وحركاته، ومن نظرة عينيك، أنك مشترٍ جاد أم مجرد فضولي عابر سبيل. واذا اقتنع أنك «زبون محتمل»، أرسل اليك من يدعوك الى داخل المحل، أو الدكان. ويبدأ يعرض عليك البضاعة.
فإذا آنس منك نظرة معجبة بسلعة ما، أو قطعة ما، تبدأ المناورة واللعبة من جديد.
هو يعرض عليك السلعة بسعر مرتفع ظناً منه أنك ستساوم، وأنت كزبون تريد أن تقنعه أنك لست مهتماً بالسلعة. وهكذا تبدأ المساومة. ولكن النظرية تقول: إن أحدكما سيراهن أنه لو أبدى عدم اهتمام باستمرار اللعبة، محدثاً بذلك ضرراً لك ولنفسه، فإن الآخر سيلين ويقبل بشروط الراغب في حسم الأمور.وقد يخرج «الزبون» من المحل مصمماً على أن آخر سعر عرضه هو السعر النهائي. وتخرج من المحل على أمل أن يلحقك.
وهنا تبدأ نظرية اللعبة في التفاعل. فإذا لحق بك خارج الدكان وأعلن قبوله لشروطك تكون فزت. إما إذا لم يلحق بك، فقد توقف العمل باللعبة.
ولكن اللعب بين الأمم ليس بهذه البساطة، بل تدخل في الاعتبار عوامل وعناصر كثيرة جداً.
وسواء بدأنا من التنافس والتفاعل التجاري والاقتصادي بين دولتين، أو من عدد من الدول، وسواء كنا نتحدث عن سلم وتفاوض، أو الأهم من ذلك كله كانت الدول تختبر بعضها البعض في لعبة الحرب والسلم، وأيهما قادر على التهديد والتحدي فإن النظرية تجد تطبيقاً لها في كل هذه الحالات.
ولأن الأمم تدرس سلوك أنفسها ومدى تأثيره في الآخرين، وتعلم أن أوضاع الآخرين تؤثر فيها بسبب التداخل في المصالح والمصائب، فإنها تجد في نظرية اللعبة فائدة كبرى.وقد استفاد علم الاقتصاد من هذه النظرية، اذ إن مؤسسيها جون فون نيومان وأوسكار مورجنستيرن قد وجدا لها تطبيقات اقتصادية متعددة، ونشرا نتائج أبحاثهما قبل نحو 50 عاماً، في كتاب «نظرية الألعاب والسلوك الاقتصادي».
وقد تطورت هذه النظرية كثيراً لتحدث من أصول اللعبة في تطبيقات وحالات مختلفة، وهي في حالة عدم التوازن الذي ركز عليه جون ناش، وفي حالة التعاون كما ركز عليها أومان، أو في حالة النزاع، أو في حالة الحرب والسلم، أو التعاون والتناحر، وغيرها من الحالات الازدواجية المتناقضة.
وهنا يبرز السؤال: هل هناك وعي وادراك في الوطن العربي، وأقطاره المختلفة، لأهمية هذه النظرية وتطبيقاتها، وهل هنالك متخصصون فيها؟ فمن الناحية السياسية، انظر الى تفاوت الأسلوب المتبع في لعبة الأمم في حالة التهديد النووي بين الولايات المتحدة من ناحية، ودول محور الشر كما سَمَّاها جورج بوش وهي العراق وايران وكوريا الشمالية.
وما هي أسباب الهجوم على العراق، والتحذير المستمر لإيران، والرغبة في التفاوض مع كوريا الشمالية؟ لو كان عبدالناصر أدرى بهذه النظرية فهل كان سيسحب قوات الأمم المتحدة ويرسل قواته الى حدود مصر مع اسرائيل عام 1967؟ وهل كان الرئيس العراقي سيهاجم الكويت ويحتلها عام 1990؟
وينطبق الشيء نفسه على سياسة الولايات المتحدة في عرضها لمشروع المنطقة التجارية الحرة مع كل دولة عربية على حدة، بينما قبلت أوروبا التفاوض مع دول مجلس التعاون مشتركة.
لماذا تصر الولايات المتحدة على التفاوض الفردي بحجة ان التعقيدات بين الدول العربية نفسها ستجعل من المستحيل اتفاقها على المبادئ نفسها مع الولايات المتحدة؟ هل سيحقق هذا لها موقفاً تفاوضياً أفضل؟
لو درسنا النظرية لتعلمنا منها ان الضعيف قد ينجح أحياناً في التفوق في التفاوض على القوي وإرباكه، ولو درسناها لفهمنا كيف يتصرف الارهابيون والخاطفون في العالم، وكيف يحسنون من فرص النجاح أمامهم.
هناك لاعبون ممتازون، ولكن النظرية والفهم العميق لمبادئها وتأثيرها في تنظيم المواقف البناءة وضمان صمودها أمام الآخرين غائبة عنا في الوطن العربي.
وقد دفعنا ثمناً باهظاً في التاريخ الحديث بسبب اعتقادنا أننا مفاوضون بارعون ومساومون مدربون. ولكن الواقع أن الفحص الحمضي أثبت دائماً أننا في الساعات الأخيرة والحاسمة نفقد توازننا ونخسر؟كل الوطن العربي في حاجة لأن يتعلم اللعبة بأسلوب منهجي ومُنظم.
خبير اقتصادي، البعيدة للاستشارات.
جواد العناني
الحياة